الشيخ البهائي العاملي
10
الكشكول
فسرّح نظرك في رياضه ، وأسق قريحتك من حياضه ، وارتع بطبعك في حدائقه واقتبس أنوار الحكم من مشارقه ، وعضّ عليه أنياب حرصك عضا ولا تفضه على من كان غليظ القلب فضا ، واتخذه وأخاه جليسين لوحدتك وأنيسين لوحشتك وموجبين لسلوتك « 1 » وصاحبين في خلوتك ورفيقين في سفرك ، ونديمين في حضرتك ، فإنهما جاران باران ، وسميران « 2 » ساران ، واستاذان خاضعان ومعلمان متواضعان ، لا بل هما حديقتان تفتحت ورودهما وخريدتان « 3 » توردت خدودهما وغانيتان « 4 » لابستان حلل جمالهما ؛ مائستان « 5 » في برود « 6 » جلالهما فصنهما « 7 » عن غير طالبهما ولا تبذلهما الا لخاطبهما فمن منح الجهال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم ذكر المفسرون في قوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وجوها عديدة للإتيان بنون الجمع والمقام مقام الانكسار والمتكلم واحد ، ومن جيد تلك الوجوه ما أورده الإمام الرازي في تفسيره الكبير وحاصله : انه قد ورد في الشريعة المطهرة أنّ من باع أجناسا مختلفة صفقة واحدة ، ثم خرج بعضها معيبا فالمشتري مخيّر بين رد الجميع وإمساكه وليس له تبعيض الصفقة برد المعيب وإبقاء السليم وهاهنا حيث يرى العابد أن عبادته ناقصة معيبة لم يعرضها وحدها على حضرة ذي الجلال بل ضمّ إليها عبادة جميع العابدين : من الأنبياء والأولياء والصلحاء وعرض الكل صفقة واحدة راجيا قبول عبادته في الضمن لأن الجميع لا يرد البتة ؟ ! إذ بعضه مقبول ورد المعيب وإبقاء السليم تبعيض للصفقة وقد نهى سبحانه عباده عنه ؟ فكيف يليق بكرمه العظيم فلم يبق الا قبول الجميع وفيه المراد . عن بعض أصحاب الحال : انه كان يقول يوما لأصحابه لو أني خيرت بين دخول الجنة وبين صلاة ركعتين لاخترت صلاة ركعتين ؟ فقيل له وكيف ذلك قال : لأني في الجنة مشغول بحظي وفي الركعتين مشغول بحق وليي وأين ذاك عن هذا ؟ ! .
--> ( 1 ) السلوة : طيب الخاطر . ( 2 ) السمير : المحدث بالليل . ( 3 ) الخريدة : البكر التي لم تمس قط . ( 4 ) الغانية : المرأة المتزوجة . ( 5 ) المائسة : المتبخترة . ( 6 ) البرود جمع البرد وهو نوع من الثياب معروف . ( 7 ) صنهما : أي احفظهما .